ابن بسام
281
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
والمرآة التي تتصفّح بها أوجه الأيام / [ 135 ] إحاطة وفهما . وفي فصل : فإن كان الغرض في هذه الأبيات الخراب ، المقفرة من الصواب ، طلب الفائدة ، فقد كان يجب أن يناخ عليه بمقفلها ، ويقصد إليه بمعضلها ، فعنده مفتاح كلّ مسألة مقفلة ، ومصباح كلّ داجية مشكلة ؛ بل لست أشكّ أنّ هذا السائل لو جاوره صامتا عن استخباره ، وعكف على ذلك الجناب كأنّما لجأ في طيّ إضماره ، لأعداه رقة نسيم أرضه ، وهذّب [ 1 ] خاطره التقاط لفظه ، حتى يغنيه الجوار عن الحوار ، والاقتراب عن رجع الجواب ؛ وإن كان قصد الامتحان للمسئول ، وتعرّض لهذا الموقف الزّحول ، فذلك أعجب : كيف لم يتأدّب بآدابه الصالحة ، ويعتشي إلى هدايته الواضحة . وفي فصل : وكيف لم يعلم هذا العرّيض المكلّف - بما أعطي من سعادة مكاثرته ، وسيق [ 2 ] إليه من بركة صحبته - أن هذا التعريض كما قال المخزوميّ لعبد الملك بن مروان وقد [ 3 ] لقيه في طريق الحجاز : بئست تحية الغريب من القاطنين ، ولؤمت هديّة الوافد من المقيمين ، وقد كان حقّ الغريب بينكم أن يكثر قليله ، ويسدّ ذريعة ، ويعار من معالي الصفات ما يؤنس غربته ، ويصدّق مخيلته . وعلى أنّه لو كان قد احتبى للجدال ، وركب للنزال ، لما كان في عزوب [ 4 ] كلمات من حوشيّ اللغة عن ذكره ، ما يدلّ على قصر باعه ، وقلّة اطلاعه ، ويا عجبا للفراغ / كيف يسوّغ لهذا المغترّ أن يجاري بخلوّ ذرعه تقسّم أفكاري ، وكيف أنساه اجتماع شمله بعد دياري ، وكيف أذهله حضور أحبّته عن مغيب أفلاذ كبدي ، وكيف طرفت نواظره سكرة الحظّ عن تصوّر ما يجنّ خلدي ، وكيف لم يدر ما لي من ألحاظ مقسّمة ، وظنون مرجّمة ، وقد تكلّفت الإجابة لما تضمّنته الأبيات انقيادا لمرادك ، ومقتصر الرأي على إسعادك ، أجرّ أقلامي جرّا وهنّ نواكل ، وأنبّه قرائحي وهنّ في غمرات الهموم ذواهل . قال السائل : « إن المسؤول دروك لتلك الفتوى ، ومستحقّ بها للرتبة العليا » ودروك لا يجوز هنا لأنّ فعولا لا يكون من أفعل ، ولو جاز ذلك لجاز « حسون » من « أحسن » و « جمول » من « أجمل » . وما نحبّ استيفاء القول في هذا الزلل ، ولا نستفتح كلامنا
--> [ 1 ] ص : وهذبت . [ 2 ] ص : وساق . [ 3 ] ص : ولقد . [ 4 ] ص : غروب .